الملك عبد الله الثاني يستقبل البابا فرنسيس في الأردن، أرض الإيمان، أرض الأخوة

عمان | وصل قداسة البابا فرنسيس إلى الأردن في أول زيارة بابوية له إلى المنطقة بقصد الحج إلى الأراضي المقدسة، حاملا رسائل التسامح والسلام والتعايش.

وكانت هذه هي الزيارة الخارجية الثانية للبابا وتزامنت مع الذكرى الخمسين لأول زيارة قام بها بابا الفاتيكان إلى المملكة الأردنية الهاشمية والذكرى العشرين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والفاتيكان.

وكان في استقبال قداسته لدى وصوله صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد وعدد من الشخصيات المحلية ورجال الدين، وتوجه بعد ذلك إلى قصر الحسينية في عمان، حيث استقبله جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين وجلالة الملكة رانيا العبدالله وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.


 

وفي قصر الحسينية تبادل قداسته وجلالة الملك عبد الله الهدايا وناقشا العلاقات الثنائية بين الأردن والفاتيكان واهتمامهم المشترك بتعزيز الحوار بين المسلمين والمسيحيين.

والتقى البابا فرنسيس أيضا مع مسؤولين حكوميين، وقادة مسلمين ومسيحيين، وأعضاء في السلك الدبلوماسي.

ورحب الملك عبد الله بالبابا فرنسيس في "أرض الإيمان، وأرض الأخوة" باسم جميع الأردنيين، وأعرب عن تقديره لرسائل الصداقة والسلام التي جاء البابا يحملها.

وقال جلالته: "المسلمون في كل مكان يقدّرون ما يصدر عنكم من رسائل الاحترام لهم، وسعيكم لكسب صداقتهم. فبالإضافة إلى كونكم خليفة القديس بطرس، فقد غدوتم، يا صاحب القداسة، تعبرون عن ضمير العالم أجمع. "

وأضاف: "ومنذ أن اعتليتم منصب البابوية وأنتم تذكّروننا، بالقول وبالفعل، أن اسم الحبر الأعظم يجسد حقيقة معنى ′باني الجسور′. والأردنيون أيضا بناة للجسور، وتشمل مساعينا في هذا السياق إجراءات ملموسة وحقيقية نقوم بها منذ سنوات عديدة".

"وهنا أيضاً، يعمل المسلمون والمسيحيون اليوم على بناء مستقبل مشترك على أرضية واحدة من الاحترام المتبادل والسلام والإخلاص لله."

وقدم البابا فرنسيس تحياته الصادقة للملك عبد الله والشعب الأردني، معربا عن أمله أن تساعد زيارته في تعزيز العلاقات الطيبة والودية بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة.

وأشاد أيضا بجهود الأردن في تعزيز قيم الاعتدال والترابط الديني من خلال العديد من مبادرات الحوار بين الأديان وفي سياق الدين الواحد.

وقال قداسته: "أريد أن اغتنم هذه الفرصة لأجدد التعبير عن احترامي العميق للمجتمع المسلم ولأعرب عن تقديري للدور القيادي الذي يقوم به جلالة الملك من أجل تعزيز فهم أفضل للقيم التي يعلنها الإسلام والتعايش الودي بين مؤمني مختلف الديانات. وأعبر عن امتناني للأردن على تشجيعه بعض المبادرات الهامة لصالح الحوار بين الأديان بغية تعزيز التفاهم بين اليهود والمسيحيين والمسلمين".

وأضاف أن الحرية الدينية حق أساسي، معربا عن أمله الكبير " أن يؤخذ هذا الحق في عين الاعتبار في كل مناطق الشرق الأوسط وفي العالم بأسره".

وقال: "وأود الآن أن أوجه تحية مفعمة بمشاعر المودة إلى الجماعات المسيحية المتواجدة في البلاد منذ زمن الرسول، والتي تقدّم إسهامها لصالح الخير المشترك للمجتمع المنخرطة فيه بشكل كامل. ومع أنها اليوم أقلية من حيث العدد، فهي تقوم بنشاط جدير ومثمَّن على الصعيدين التربوي والصحي، من خلال المدارس والمستشفيات، كما تستطيع هذه الجماعات التعبير عن إيمانها بكل طمأنينة، في إطار احترام الحرية الدينية."

واتساقا مع قيم الاعتدال والترابط الديني، يتصدر الأردن العديد من مبادرات الحوار بين الأديان من أجل تعزيز التعددية في الأردن والمنطقة، والعالم. وقد حظيت هذه المبادرات بالاعتراف الدولي نظرا لدورها المؤثر في تعزيز العلاقات الإسلامية المسيحية.

الحسين للشباب حيث احتشد أكثر من 30 ألف شخص، معظمهم من مسيحيي الأردن والشرق الأوسط لحضور القداس الذي ترأسه الحبر الأعظم هناك.

وهتف الجمهور "يعيش البابا" ولوحوا بأعلام الأردن والفاتيكان، بالإضافة إلى أعلام بلدانهم: لبنان والعراق ومصر وسوريا وإسبانيا وايطاليا والأرجنتين وفرنسا.

وقال رامي من مصر، 25 سنة، والذي جاء مع 20 من أصدقائه لحضور القداس: "أنا وأصدقائي متحمسون لأول زيارة للبابا فرنسيس لدولة عربية. وآمل أن يصلي من أجل السلام لجميع العرب."

وقالت مايا أبو زيد من لبنان: ""وصلت صباح اليوم، وسأغادر غدا. آمل أن تجلب زيارته السلام إلى المنطقة، وللمسيحيين في العالم العربي."

ولدى وصوله، جال البابا فرنسيس الاستاد في سيارة مكشوفة، وأقام قداسا لمدة ساعتين منح فيه المناولة الأولى إلى 1400 طفل.

وقالت دانا عياش البالغة من العمر 10 سنوات، والتي تلقت مناولتها الأولى بحضور البابا: "هذا يوم خاص جدا".

وقالت مايا قموه، 8 سنوات: " أنا سعيدة جدا وأنا احتفل بالمناولة الأولى مع البابا فرنسيس وبمناسبة عيد الاستقلال الأردني."

وبعد اختتام القداس الإلهي، توجه البابا فرنسيس لموقع المغطس في بيت عنيا عبر الأردن، حيث كان في استقباله جلالة الملك عبد الله.

ويعترف العلماء والقادة الدينيون على مستوى العالم ببيت عنيا عبر الأردن باعتباره الموقع الوارد في الكتاب المقدس حيث عمد يوحنا المعمدان يسوع المسيح. وفي كل عام يحج إلى هذا الموقع المقدس الذي عاش فيه يوحنا المعمدان لمدة 20 عاما حوالي مائة ألف زائر من جميع الطوائف والأديان المختلفة.

وخلال الفترة التي قضاها في بيت عنيا عبر الأردن، بارك البابا فرنسيس مياه نهر الأردن وأدى طقوس الحج إلى نهر الأردن كما فعل أسلافه من قبله.

كما عقد اجتماعا خاصا مع حوالي 400 لاجئ سوري وعراقي شاب، وكذلك مع أطفال من ذوي الإعاقة لتسليط الضوء على محنة اللاجئين والمستضعفين.

وقال البابا مخاطبا الجمع: "برغم ما تعانونه من صعوبات في الحياة، أنتم بشارة الأمل، ولكم مكانة في قلب الله وفي صلواتي. وأنا ممتن بأن عددا كبيرا منكم قد حضر اليوم، ممتن لحضوركم الدافئ وحماسكم".

وأكد قداسته على الضغوط التي يرزح تحتها الأردن كبلد مضيف للاجئين السوريين، وحث المجتمع الدولي على دعم المملكة.

وقال: "أشكر السلطات والشعب الأردني على الاستقبال السخي للأعداد الكبيرة جدا من اللاجئين القادمين من سوريا والعراق، كما أوجه شكري إلى جميع الذين يقدمون المساعدة والتضامن للاجئين."

وأضاف: " أتوجه للمجتمع الدوليّ كي لا يترك الأردن وحده في مواجهة الأزمة الإنسانية الطارئة والناتجة عن وصول عدد مرتفع من اللاجئين إلى أرضه، وإنما ليواصل ويضاعف عمله في الدعم والمساعدة."

وقد حافظ الأردن على سياسة الباب المفتوح أمام الشعوب التي تمر بأوقات الشدة، بمن فيهم الفلسطينيون والعراقيون والسوريون. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية انضم أكثر من 600 ألف لاجئ سوري إلى مواطنيهم المقيمين من قبل في الأردن والبالغ عددهم 700 ألف، مما أدى إلى زيادة تقرب من 20 بالمئة من عدد سكان الأردن.

ويعتمد 83 بالمئة من اللاجئين السوريين، والذين يعيشون داخل المجتمعات المحلية الأردنية بشكل أقل على مساعدات الأمم المتحدة والجهات المانحة الأخرى، مما يشكل عبئا كبيرا على الموارد العامة مثل التعليم والرعاية الصحية والمياه والطاقة.

وعقب الاجتماع في المغطس، غادر قداسة البابا فرنسيس إلى السفارة البابوية لقضاء الليلة، حيث استقبلته حشود كانت منتظرة هناك لتحيته.

غادر قداسة البابا فرنسيس الأردن بعد اختتام زيارته الهامة التي جاءت في وقت مناسب وغطاها أكثر من 1000 صحفي.

ومن المقرر أن تستمر رحلته لمدة ثلاثة أيام في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، حيث سيلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وسيصاحب سمو الأمير غازي بن محمد قداسته في جولة في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس.

وسوف يمثل الأمير غازي بن محمد يمثل جلالة الملك عبد الله، السليل الحادي والأربعين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والوصي على الأماكن المقدسة في القدس. وهذه الوصاية معترف بها من قبل كل من الفلسطينيين والإسرائيليين، وتمنحه كامل الصلاحية لبذل كل الجهود القانونية لحماية هذه المقدسات.

يغادر البابا فرنسيس الأردن محملا برسائل السلام الصادرة عن جلالة الملك، وهي رسائل في غاية الأهمية في يومنا هذا، في زمن ينتشر فيه الظلم والطائفية والتطرف.

 وقال الملك عبد الله مخاطبا البابا فرنسيس: "ويجب أن نساعد سوريا على استعادة مستقبلها، ووضع نهاية لإراقة الدماء، وإيجاد حل سياسي سلمي هناك.كما أن هناك حاجة أيضا لخطوات تتخذونها ودعم تقدمونه لمساعدة الفلسطينيين والإسرائيليين على إيجاد حل لصراعهم الطويل. إن الوضع الراهن الموسوم ′بحرمان الفلسطينيين من العدل′ والخوف من الآخر ومن التغيير يحمل وصفة للدمار المتبادل، وليس الاحترام المتبادل المنشود."

وقال البابا في رده على ذلك: "وإذ ألاحظ بألم استمرار التوترات الشديدة في منطقة الشرق الأوسط، أتوجه بالشكر إلى سلطات المملكة على ما تقوم به وأشجعها على متابعة التزامها في البحث عن السلام المرجو والدائم من أجل المنطقة بأسرها؛ من هذا المنظار يصبح أمرا ضروريا وطارئا التوصل إلى حل سلمي للأزمة السورية وإلى حل عادل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني." 

وقد التقى قداسة البابا فرانسيس والملك عبد الله مرتين منذ انتخابه لمنصب الحبر الأعظم في عام2013.

بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والفاتيكان رسميا في عام 1994 ولكن ذلك سبقه عقود من التواصل والنشاط الدبلوماسي الذي يتضح من زيارة البابا بولص السادس إلى الأردن في عام 1964.  

في عام 2000 زار القديس البابا يوحنا بولص الثاني الأردن، وفي عام 2009 قام البابا بندكتوس السادس عشر بالحج إلى المملكة.